شبح الطاقة والديون قد يخيّم على اقتصادات المنطقة
لم يحمل تقرير آفاق الاقتصاد العالمي الصادر حديثا عن البنك الدولي جردة حساب اقتصادية لمؤشرات النمو والتضخم، بل كان جرس إنذار يقرعه خبراء الصندوق من تداعيات التحولات الجيوسياسية المتسارعة على ضوء هشاشة الاقتصاد العالمي وتزايد المخاطر التي تهدد الاقتصادات النامية. يتوقع تباطؤ النمو العالمي إلى 2.5% في تجاوز للمؤشّرات الاقتصادية المعتادة هذا على مستوى الدول الرئيسية، أما في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا فإن الصورة تبدو أكثر قتامة إذ تهبط التوقعات إلى 1.6%، وهذا يعني ببساطة أن خلف تراجع الإيرادات أو تباطؤ النشاط الاقتصادي تهديداً مباشراً للاستقرار الاجتماعي ومستويات المعيشة وفرص التنمية المستقبلية.
من بين أكثر الرسائل وضوحا في التقرير إشارته إلى تعثر مسار التقارب الاقتصادي بين الدول النامية والمتقدّمة، إذ لم يتمكّن نصف الاقتصادات النامية منذ عام 2019 من تقليص فجوة دخل الفرد مقارنة بالدول المتقدمة. ولأن الشيء بالشيء يذكر، لا توحي آفاق السنوات المقبلة بحدوث تحوّل جوهري في هذا الاتجاه. مهم جدّاً أن ألفت الانتباه إلى الحالة العربية، لأن هذه المؤشّرات تعني اتساع الفجوات الاجتماعية واستمرار معدّلات البطالة المرتفعة بين الشباب وتراجع فرص الصعود الاقتصادي، وهنا ألفت الانتباه أكثر إلى أن التنمية ليست أرقاماً يخطّها موظفو العلاقات العامة في التقارير السنوية، بل قدرة المجتمعات على توليد فرص العمل وتحسين مستويات الدخل وتعزيز الديمومة الاجتماعية.
توحي قراءة ما وراء الأرقام بأن تعطّل هذا المسار فترة طويلة يراكم آثار أكثراً عمقا تتجسّد في هجرة الأدمغة والكفاءات وتراجع الاستثمار في رأس المال البشري وتزايد شعور الأجيال الشابة بانسداد الأفق. وهنا الخسارة مضاعفة؛ فرص اقتصادية ضائعة وخسارة الموارد البشرية التي تشكل أساس أي مشروع تنموي مستدام. لربما أعرّج على استطلاع أجراه الباروميتر العربي في دورته الثامنة على منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا قبل عامين، وكشف عن ارتفاع كبير في نسب الراغبين في مغادرة بلدانهم سعياً وراء ظروف حياة أفضل في أماكن أخرى، أي أن الدوافع الاقتصادية تتصدّر عند الراغبين في الهجرة في أغلب الدول التي شملها الاستطلاع.
نعم، التقرير يبرز أيضا تداعيات الحرب والتوترات الجيوسياسية المتواصلة في الممرات المائية الحيوية وفي مقدمتها مضيق هرمز، فما كان يوصف سابقا بأنه اضطراب مؤقت في حركة التجارة والطاقة تحول تدريجيا إلى عامل ضغط دائم على الاقتصاد العالمي، وحتى مع إعلان الولايات المتحدة وايران التوصل إلى هدنة أو مذكرة تفاهم، فهي ما زالت دون الاتفاق، بل اقرب إلى اتفاق مبدئي، وحتى وإن سارت الأمور على خير ما يرام في المفاوضات في الستين يوما المقبلة، فإن استعادة الاقتصاد العالمي عافيته وقوته ونشاطه تحتاج وقتاً أطول وجهداً أكبر. مع استقرار أسعار النفط عند مستويات مرتفعة تقترب من مائة دولارا للبرميل تبدو الآثار متباينة داخل المنطقة العربية نفسها، فقد يوفر هذا الارتفاع متنفّساً محدوداً لبعض الاقتصادات النفطية فإنه يفرض أعباء ثقيلة على الدول المستوردة للطاقة التي تواجه موجات تضخّمية متصاعدة وارتفاعاً مستمرّاً في تكاليف الإنتاج والنقل، غير أن التحدّي لا يقف عند حدود أسعار النفط، بل في ارتفاع أسعار الأسمدة المرتبطة بالطاقة، وما يترتب على هذا من ضغوط متزايدة على أسعار الغذاء والسلع الأساسية. وهنا يتحول التضخّم من مفهوم اقتصادي نظري إلى أزمة معيشية يومية تمسّ حياة ملايين الملايين، لا سيما الفئات الأكثر هشاشة التي ستجد نفسها مجدّداً أمام تآكل متسارع في قدرتها الشرائية، بينما يتراجع هامش الأمان الغذائي بصورة مقلقة في عدة دول عربية.
وبالتوازي مع أزمة الشرايين والممرّ، تبرز أزمة الديون السيادية أحد أكثر الملفات تعقيداً في المشهد الاقتصادي الراهن، فاستمرار البنوك المركزية الكبرى في تبني سياسات نقدية متشددة والإبقاء على أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة يضاعف كلفة الاقتراض، ويضع الحكومات المثقلة بالديون أمام خيارات مالية صعبة. والتقرير يوضح أن العلاقة بين ارتفاع مستويات الدين وزيادة أسعار الفائدة ليست خطية بسيطة، فكلما ارتفعت المديونية في الاقتصادات الناشئة ازدادت المخاطر السيادية واتسعت الفجوات التمويلية وتسارعت الضغوط على العملات المحلية، ومع مرور الوقت تصبح قدرة الحكومات على الوصول إلى أسواق التمويل الدولية أكثر تعقيدا وكلفة.
هنالك أيضا ما يثير القلق بصورة أكبر، وهو ما وصفه التقرير بالديون المخفية التي تكون على التزامات مالية وتعاقدية لا تظهر بشكل كامل في الموازنات الرسمية، أو في بيانات الإفصاح الحكومية. وفي أوقات الأزمات، يمكن أن يؤدّي الكشف المفاجئ عن هذه الالتزامات إلى صدمات حادّة في الأسواق المالية وارتفاع سريع في المخاطر السيادية وإغلاق قنوات التمويل الخارجية أمام الدول المتعثرة. وتزداد الصورة قتامة عندما لا تقتصر تداعيات هذه الظاهرة على المؤشرات المالية وحدها، إذ أن كل زيادة في أعباء خدمة الدين تعني بالضرورة تراجع الموارد المتاحة للإنفاق على التعليم والصحة والبنية التحتية وبرامج الحماية الاجتماعية (بالأساس ليست في وضع جيد). وبذلك تتحول الديون إلى عبء طويل الأمد تتحمل كلفته الأجيال المقبلة.
في مواجهة هذه التحديات، يطرح التقرير مساراً بديلاً يقوم على تعزيز الإنتاجية والاستفادة من التحولات التكنولوجية، وفي مقدمتها البرمجة التفاعلية المسمّاة الذكاء الاصطناعي، باعتبار أن التقنيات الحديثة تملك بالفعل قدرة كبيرة على دعم النمو وتحسين الكفاءة الاقتصادية، إذا ما جرى توظيفها ضمن سياسات تنموية متوازنة، تعزّز القدرات البشرية لا تستبدله. وهذا يتطلب أيضا الاستثمار الطويل في إعادة تأهيل القوى العاملة وتطوير المهارات الرقمية وبناء أطر تنظيمية وقانونية قادرة على إدارة التحولات التقنية وحماية الأمن الرقمي وتعزيز الاستخدام المسؤول للتكنولوجيا، كما أنه يتطلب، فيما يتطلب، إنشاء حواضن وبيئات ابتكار محلية تسمح بتوظيف البرمجة التفاعلية (الذكاء الاصطناعي) لخدمة أولويات التنمية الوطنية.
لربما كانت الرسالة الأساسية التي يحملها التقرير تتجاوز التحذير من تباطؤ النمو أو ارتفاع الديون، بل دعوة صريحة إلى الانتقال من إدارة الأزمات اليومية إلى بناء سياسات اقتصادية أكثر استدامة وقدرة على مواجهة الصدمات المستقبلية، فالسيطرة على التضخّم وتعزيز الشفافية المالية وإدارة الديون بكفاءة وتطوير أدوات الحوكمة الاقتصادية لم تعد خيارات مؤجّلة بل شروطا أساسية لحماية الاقتصادات العربية من الوقوع في فخ عقد ضائع جديد تدفع المجتمعات ثمنه عقوداً طويلة.
طلال ابو غزالة